الأخبار
أخـــــــبــــار عنـــــيــــــزة
وارتحل عاشق الإبل عبدالله بن تركي الخالدي إلى رحمة الله تعالى
وارتحل عاشق الإبل عبدالله بن تركي الخالدي إلى رحمة الله تعالى

28 محرم 1440 07:55
عنيزة اليوم :

ولد والدي عبدالله بن عبدالعزيز التركي الخالدي - من سكان محافظة عنيزة - في أوائل الثلاثينات من القرن العشرين جنوب الرس في منطقة تسمى وادي النساء، وصادفت ليلة ولادته مجيء عبدالرحمن ويحي العبدالله السليم من أمراء عنيزة، وقد كانوا حجاجاً، فلما رأوا بيت جدي وقد كان بيت شعر كبير، سألوا عن صاحبه فقيل لهم أنه ملك عبدالعزيز العمر التركي، وكان الجو ممطراً والبرد قارساً، فقابلهم بالترحاب وقال لو بالهنيهنة فقالوا ما الهنيهنة قال الزوجة تتولد، فأمروا من معهم من النساء بالدخول إلى البيت لتقديم المساعدة، وإذا معهم ذبيحة فذبحوها وبدأوا يشوون ويطبخون عشائهم، ثم بشرن النساء الرجال بولادة الصبي وأسموه عبدالله. تربى والدي عبدالله – أسكنه الله فسيح جناته - في كنف والديه مع اخوته، وعندما صار شاباً كان وأخيه الكبير تركي مع والدهم يرعون الإبل، فلما شارك أخوه تركي مع الملك فيصل رحمه الله في حرب الوديعة جنوب المملكة، صار لوحده عند الإبل ثم بعد ذلك عمل بالحمى في حدود عنيزة، وذلك من منطقة رامية إلى السمار وإلى حدود دهيماء وأبيرق والخرماء والباهلي، وكان يحمي بالجيش ومعه اخويا وخادم وكان الأمير/ عبدالله ابن مساعد أميراً للقصيم في ذلك الوقت، أما أمير عنيزة فكان عبدالله الخالد السليم، وقد عمل معه بنفس المهنة مجموعة من اخويا الأمير ابن مساعد منهم سعد ابن جارد، وابن ضاوي العتيبي، ومقبل الشمري، وماجد السبيعي، وقد كان يحمي كل سنة مع واحد منهم، ثم لما توقف الحمى، سافر والدي إلى الشرقية للعمل بالجيولوجية مع حمد وعبدالرحمن القنيبط بالخبر وذلك في عام 1370هـ، وقد انضم معه مجموعة من أهل عنيزة، وقد كانوا يخرجون مع فرق من الأمريكان للبحث عن الزيت برفقة مترجمين. وقد كان طبيعة عمله هو كدليله، حيث أنه يعرف أغلب الديار والمواقع بالمملكة. وقد كان راتبه في ذلك الوقت 300 ريال، بالإضافة إلى أنه يحصل أحياناً له أعمال خارج الدوام بالليل، ويسوى هذا المبلغ الشيء الكثير في ذلك الوقت حيث كانت يومية الرجل فقط خمسة ريالات. ولما انتهى العمل بالجيولوجية والذي استمر عدة سنوات عاد إلى عنيزة وعمل بمديرية الزراعة لفترة قصيرة، ثم بعد ذلك لزم والده واخوته وقاموا بحفر بئراً (قليب) يقال لها الموينعية التي تقع على خط الروضة غربي عنيزة، والتي قضى فيها فترة طويلة من حياته، ثم انتقل للسكن في ضلع قوت وتزوج وعمره يقارب الثلاثين عاماُ، وانتقل إلى حي النزهة ثم هجرة الضلعة التي تسكن فيها عائلته منذ عام 1400هـ.

أحب الإبل لأنها كانت مهنة والده – يرحمه الله-، حيث كان راعي حلال، وبدأ يروح شمال ويشتري رعايا كثيرة ويبيعها شيء يكون بالنقد وشيء يكون بالآجل. كانت إبله الوضح من أفضل الإبل في المملكة، وعند زيارة الملك خالد وخادم الحرمين الشريفين الملك فهد - رحمهما الله - للقصيم وكان إبان ذلك ولياً للعهد في عام 1400هـ اشتراها الملك فهد بن عبدالعزيز آل سعود لأخيه الملك خالد لما يعلمه من حبه للإبل، ثم طلب منه الملك فهد أن يذهب بها إلى مزرعة الملك خالد بالجنادرية، ولما وصلت هناك وكان عددها 170 ناقة، أثنى الملك خالد على الإبل ومدحها وسأله عن كيف أصلحها (يعني كيف جعلها بهذا الشكل من الصفات الطيبة كالسمنة والولف)، ويذكر أن صاحب السمو الملكي الأمير/ سلطان بن عبدالعزيز - يرحمه الله - قد قال له إذا ما جبت لي مثل هالإبل هذي تراي أبا أزعل عليك. وقد ثمنت الإبل على على 12000 ريال لكل متن سواء أكانت ناقة أم حوار، وقد كانت أقيام الإبل في ذلك الوقت قليلة جداً، وتعتبر هذه هي الصفقة الكبيرة التي حصل منها والدي – رحمه الله - على مبلغ كبير استطاع من خلاله أن يبني في هجرة الضلعة أربعة بيوت كبيرة لزوجاته وأولاده ويبني مسجداً كبيراً، وأقام مزرعة وحظائر للخيول والإبل والأغنام، واستمر على مزاولة تربية الإبل وكان يحب الوضح منها، ويحب أن يحيل كل سنة إلى الشمال وقد أعجب بكرمهم ونخوتهم فتزوج منهم زوجتان. له من الزوجات أربع، وله من الأولاد والبنات ست وثلاثون. أحب البادية والعيش في البراري كثيراً، مقدام لا يهاب ولا يخاف إلا من الله تجده مع إبله في الصحراء القاحلة مع الزاد القليل فرحاً متهلهلاً كأنه يملك أكبر القصور والمنتجعات العالمية، ربما تحمل الكثير من الصعاب والحاجة حيث أن تربية الإبل مكلفة كثيراً ولكنه متمسكاً بها لدرجة لا يمكن وصفها ولعلي أفرد لهذا مقالاً لاحقاً بإذن الله. من الصفات التي تميز بها والدي – غفر الله له – الكرم والشهامة والصبر والجلد وهي من صفات مربين الإبل من الآباء والأجداد، وقد نظمت قصائد كثيرة في والدنا ليس هذا موضعها. أحببنا الصحراء والإبل منذ صغرنا لأنه أحبها، اتسم بالحلم والعطف والشفقة والحكمة (وكان يكنى بأبو صدرين)، وكثيراً ما يوصينا بالجار والضيف والمحتاج وبالرجولة وبالألفة والمحبة وكان يعلمنا منذ الصغر قدر الكبير، ومع ما أعطاه الله من نعم كثيرة من الزوجات والأولاد والأرحام والأنساب وكثرة علاقاته إلا أنه كان يزيد حلماً وحباً ورحمة وكرماً، كنا نذهب معه – رحمه الله – منذ نعومة أظفارنا إلى الإبل وكان يعلمنا النصيحة بالتطبيق ولا يعاقب على التقصير وإنما ديدنه التوجيه الغير مباشر والجلوس مع الرجال الذين يستفيد الإنسان منهم في علوم الرجال والشهامة والكرم، وقد كان حريصاً على التعليم مع أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب لكنه عرف أنها سلاح الإنسان في هذا العصر فالذي ليس عنده شهادة ووظيفة ربما تواجهه مشكلات لتقلب الأحوال والأزمان، وقد مثل محافظته عنيزة في كثير من مناسبات سباقات الهجن على مستوى المملكة والخليج وشارك في جائزة الملك عبدالعزيز للإبل في أم رقيبة عدة مرات.
ومما لاحظته في والدي منذ نعومة أظفاري حبه للملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود - رحمه الله - ولجميع أبناؤه الملوك البررة من بعده ، لم أسمع منه في حياتي إلا الدعاء والمدح والولاء والانتماء والتقدير الكبير لحكامنا – أدام الله عزهم -. كان قريباً من أمراء المنطقة، حيث دعا صاحب السمو الملكي الأمير/ عبدالإله بن عبدالعزيز إلى منزله في هجرة الضلعة وكان هذا ديدنه مع جميع أمراء المنطقة ومحافظة عنيزة.

أعجب كثيراً بحنكة وتواضع أمير منطقة القصيم صاحب السمو الملكي الأمير الدكتور/ فيصل بن مشعل بن سعود، وقربه من الناس ونزوله للميدان وحرصه على كل جديد، وكان دائماً يوصينا بحب ولاة الأمر ويفرح كثيراً عندما يزوره أحد الأمراء، وقد شرفنا بزيارة أمير القصيم وأبناؤه قبل سنوات في منزل الوالد وبزيارة ابنه الأكبر الأمير سعود بن فيصل لإبل الوالد في الشمال، ومما أثر علي كثيراً اتصال أمير منطقة القصيم معزياً في وفاة والدنا، وحضور ابنه الأكبر الأمير سعود للصلاة على جنازة والدنا يوم الخميس الماضي كما حضر إلينا في منزل الوالد للعزاء في الليلة نفسها، وكانت كلماته عن الوالد وعن تماسك الأبناء واتحادهم وسيرهم على نهج والدهم بلسماً لنا، وخريطة طريق ستبقى راسخة في عقولنا، وقد قدم التعازي بوفاة والدي سعادة محافظ عنيزة الأستاذ عبدالرحمن بن إبراهيم السليم والشيخ فهد بن فلاح بن حثلين رئيس نادي الإبل، وجمع كبير من أهالي عنيزة والقصيم ومحبي الإبل، رحم الله والدنا وأسكنه فسيج جناته وقدس روحه ووسع له في قبره وخلف له في عقبه وبارك في ذريته، وجزى الله خيراً كل من قرأ هذا المقال فدعى لوالدنا إنه سميع قريب مجيب.


كتبه ابنه الدكتور/ خالد بن عبدالله التركي أستاذ الأنثروبولوجيا المشارك بجامعة القصيم :-

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 657


خدمات المحتوى


تقييم
10.00/10 (1 صوت)