23 جمادى الأول 1440 11:16




‏مِـنَـحُ الـمِـحَـن .

‏ يقول الله تعالى (( لقد خلقنا الإنسان في كبد ))** فمكابدة الحياة و مشاقها من سنن الله في خلقه ، عرفوا ذلك أو خفي عنهم ، منذ بدء خِلقتهم في بطون أمهاتهم وحتى يلقون وجهه تعالى ، لأنها ببساطة دنيا و ليست جنة ، و العبرة ليست في مشاقها و مكارهها ولكن في ردود فعلنا تجاهها ، و الناس في ذلك مشارب و أصناف ، و العبرة كذلك في مدى استسلام العبد لربه ، ثم تقبله لأقدار ه بكل رضا .

‏ و لو تأمل المرء في أكدار الحياة فسيدرك أن ظلمة الحزن مهما طالت فستنقشع بإسفار الفجر و بزوغ شمس الفرج ، و أن لا كربة تدوم ، و أنه لولا التعب ما عرف طعم الراحة ، كما أنه لن يشعر بلذة الطعام حتى يجوع ، و بعض الناس قد لا يدرك مدى النعم التي يتقلب في نعيمها حتى يفقدها أو ينقص شيءٌ منها ، و لربما تولد من رحم معاناته منحًا كثيرةً خافية عليه ، يرجع بها إلى ربه ، فيدعوه و يتضرع إليه أن يكشف مابه من ضر ، و يعود إليه حامدًا شاكرًا له سبحانه عظيم فضله و مننه ، و كم من ضيق حال أفضى لأوبةٍ بعد غفلة ، و كم من حاجة أسبغت على صاحبها لين قلب و رحمة روح لإحساسه بحاجة الآخرين من جوعى و معوزين ، و كم من بلاء أضحى أعمى البصيرة بعدها مبصرًا متنبهًا لتقصيره و إسرافه في حق ربه أو قربته ، فعاد إليه رشده و أصلح من بعد إفساد و أحسن من بعد سوء أدب ، و اكتشف في ذاته قوىً و قدرات ما كان ليعرفها لولا ما مرَّ به .

‏ نحن بطبيعة الحال لا نتمنى المصاعب أو الابتلاءات ، و لكن العاقل الموفق من إذا نزلت فيه عرف حقها ، من توكل على ربه ثم تقبلها ، و بالصبر قابلها ، و نظر إليها على أنها تحديات ، و أن بوسعه أن يتجاوزها و ينتصر عليها ، و أن يأخذ منها ما ينفعه من دروس و عظات ، و أن يعلم أن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها ، لذلك بوسعه أن يتخطاها إن تسلح بسلاح الرضا و القبول و الصبر الجميل و اتخاذ الأسباب في مواجهتها ، و كلما آمن بقدرته على ذلك كان الخلاص حتميا و واقعًا لا محالة .

‏** ٤ - سورة البلد .

‏ && ومضة : كل مصيبة دون دينك ، هيّنة .


نورة سليمان الدامغ

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 679


خدمات المحتوى


نورة سليمان الدامغ
نورة سليمان الدامغ

تقييم
10.00/10 (3 صوت)