6 جمادى الأول 1440 03:05




‏احتفائية الكدر .

تحدث جريمة أو حادثة سيئة صغرت أو كبرت في مكان ما ، فإذا الخبر يبلغ الآفاق خلال دقائق و ينتشر بين الناس انتشار النار في الهشيم ، هذا يسرد و يصف الأمر ، و ذاك يبالغ و يسرف في تفاصيله ليجعلوا من الحبة قبة كما يقولون ، بل و يهرعون لإذاعته و كأنما هي بشريات يزفونها بكل فخر .

نعم نحن نعرف ميل النفس البشرية للحزن ، و لكن أن نستمتع في اجتراره ، و التنقيب عنه ، و في نقله بالمجالس آناء الليل و أطراف النهار ، فهذا ما لا يقبله العقل الراجح ، و الدين القويم .

أن ينصب أحدهم نفسه مسؤولا عن الخلائق في عالم البكائيات و الأحزان و يتفنن في فنون رثاء النفس و الحال ، فتلك و الله مهزلة و قلة فهم و سوء ظن بالله تعالى ، و أدعى لبث الحَزن و اليأس و الإحباط في النفوس .
فإن أساء عامل أو عاملةً لمكفوليهم ، صارت كل العمالة خائنة وفاسدة و شريرة في نظره ، و أخذ على عاتقه مسؤولية التحذير منهم ، بل و يصل به الحال أن يصم من يجلبهم بالعار و الشنار ، قاضيًا جل وقته في جمع أخبار سوءاتهم من الشرق و الغرب ليثبت وجهة نظره و الويل و الثبور لمن يفند رأيه ، أو يواجهه بخطأ ما يفعله ، بل و يجلب بخيله و رجله عليه .

‏و إن أصدرت الدولة قرارًا بزيادة رسوم خدمات أو قيمة وقود و كهرباء ، اكفهر وجهه و أقام الدنيا ولم يقعدها و كأنها نهاية العالم ، فتراه يرغي و يزبد و يعلي و يسفل اعتراضًا و صياحًا ، فينشر البؤس أينما حلّ بحديثه المتشنج ، و توعده لغيره بالفقر و العوز جراء هذه الأحكام الجائرة بوصفه ، مع أنه ينفق أضعافا مضاعفة على كماليات كماليات الحياة ، و يبذر ماله فيما لا نفع منه .

و آخر تعرض قريب له لخيانة أخيه أو جاره أو صديقه ، فتجده يجرّم كل من حوله ، و يراهم لا يستحقون الاحترام أو بذل المعروف أو حسن معشر مخافة أن يخونوه كقريبه ذاك ، فيصبح فظ الطباع ، سيماه الريبة و الشك و سوء الظن .

و لو تأملت هذه الحالات الآنفة الذكر و من على شاكلتها ، لوجدت بينها قواسم مشتركة في التهويل بالحدث ، و الجور في الحكم ، و التعميم و السوء في نقل الخبر ، و بعث الكدر و الإحباط في النفوس ، و تصوير الحياة بمنظار أسود ، مع أنك لو قارنت حاله مع المواقف الجميلة من بر ابن و إحسان جار و وفاء صديق و إخلاص زوج ، لو قارنت ذلك و تأملته لتجدنَّ العجب العجاب ، مع أن القاعدة تقول : أن الخير موجود في الناس حتى قيام الساعة ، و أنهم ليسوا سواسية ، فلماذا هذا الانتقاء ؟! و لِمَ الاحتفاء بالآلام و الأوجاع ؟!

العالم بخير ، و البشرية إلى خير بإذن الله ، و ما أصبنا إلا على أجر ، فلِم الإحباط و الضجر و التشاؤم ؟ و لماذا لا نجعل الخير يتضاعف بذكره و نشره و الإشادة به في كل محفل .

أنا لا أدعو لبلادة الإحساس أو إغماض العين عن الظلم أو التقصير هنا و هناك ، بل و الله أدعو لأن ننظر للأحداث و البشر و المواقف بعين نحلة التي لا تقع إلا على الجميل ؛ لذا يخرج من بطنها عسلا لذيذا ، لا أن نراها بعين ذبابة تبحث عن الأقذار فتنبشها و تحملها و تطير بها هنا و هناك .

لذلك - عزيزي القارئ - فرَّ من هاوي الأكدار و جالب الأحزان فرارك من الأسد أو من مرض الجذام ، قبل أن ينزع كل سلام و طمأنينة وفرح من قلبك ، و اربأ بنفسك عن مجالسة الشكائين و البكائين من مرتادي احتفائيات الكدر ، و افرح و استبشر و انشر ثقافة الاحتفاء بالفرح بدفن كل حادث مأساوي يصلك ، و حرض الناس على كل حسن جميل من قول و فعل ، فحياتنا مهما طالت فهي رحلة قصيرة فلنجعلها عميقة المرح أنيقة المشاعر .

‏ومضة /
‏( بشروا و لا تنفروا ، يسروا و لا تعسروا ) .
‏قد نجد سببا للحزن ، و لكننا حتما سنجد عشرة أسباب لنسعد .



نورة سليمان الدامغ

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 195


خدمات المحتوى


نورة سليمان الدامغ
نورة سليمان الدامغ

تقييم
10.00/10 (2 صوت)