19 ربيع الأول 1440 09:53






موت الأخيار حياة .

‏الموت نهاية كل حي ، و هو اليقين الذي أُمرنا بالإيمان به ، و التسليم له ، و الصبر فيه ، الموت تلك المصيبة التي فُرضت على الخلائق أجمع ، فكل شيء لزوال و فناء مهما امتد به الزمن لابد له من نهاية في الدنيا و على وجه الأرض .

و عند تأمل رحيل الأخيار من البشر ، نجد أنه فقط رحيل أجساد فحسب ، و أن فقدهم في الحقيقة حياة … نعم حياة لأمور عديدة ، ففاجعة فقدهم تنقلب إحياءً لذكرهم العطر و سيرتهم الحسنة ، ولمكارمهم التي قدموها في الحياة ، و ما يتبع ذلك من توالي الدعوات لهم بأن يتولاهم الله تعالى برحمته و أن يجزيهم جراء ما قدموه لمجتمعهم خير الجزاء ، و نجد أن بعض من جهلهم في حياتهم لم يعرفوهم إلا بعد مغادرتهم إياها ، بل و الله إن فقدهم إحياءً لموات بعض القلوب باقتفاء أثرهم و السير على نور مشكاتهم ، بل و أصبح الكثير يستلهم من قصصهم ما يصلح به نفسه و ينفع غيره .

بغيابهم علموا الأحياء أنهم سيرحلون يوما ما ، و أن الدنيا مهما طالت فإنها قصيرة و أنه لابد من يوم يلاقي به المرء ربه ، و أنه سيدفن مع عمله ، ليحسنه و يستدرك ما فاته و بالتالي سيسره أن يلقاه في قبره .

نعم في الموت حياة لقيم ، و عمار لقلوب ، و تذكرة لأنفس غافلة ، و دافعًا للعمل و الإنجاز لتعمير الأرض بما يرضي الله ، نعم سنلاقي المنية يومًا ما ، فلم الخوف منها ؟ و لم الحزن الشديد على أحبابنا و نحن بإذن الله سنلاقيهم في الجنان .

نعم نحزن لفراق من يتوفى من أحبابنا ، و نبكي ملء مآقينا ، و نعرف أننا سنشتاق إليهم ، و لكن لا بد أن نترجم الحزن دعاءً نرسله لهم كلما هاجت ذكراهم ، و عملا صالحًا نهديه إياهم حين تهزنا عبرات فقدهم ، فهم لذلك أحوج و أنفع !

بعد موتك لن يذكرك إلا من أحبك صدقا ، و من أحسنت إليه يوما ، فأحسن العمل ، يطيب الأثر و يعظم عند الله لك الأجر .
أنت لا تقدر أن تمنع طيور الحزن من التحليق في سمائك عند فقد حبيب ، و لكن لا تجعلها تقيم أعشاشها عندك ، و اجعل من مصيبتك فيه بدايةً لحياة جديدة تغير فيها من نفسك و مسلكك في الحياة .

‏فحين يموت الأخيار تنبعث عنهم الأخبار ، فيدعو لهم من عرفهم ، و يتعرف عليهم من جهلهم ، و يسير على هديهم من أدرك حسن مسلكهم ، و أراد الله به خيرا .
الأخيار كالملائكة لا تطيق عيشًا إلا بجوار ربها ، هي تموت في الأرض كي تحيا عند بارئها ، نسأل الله تعالى أن نكون منهم .


نورة سليمان الدامغ

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 600


خدمات المحتوى


نورة سليمان الدامغ
نورة سليمان الدامغ

تقييم
10.00/10 (3 صوت)