12 ربيع الأول 1440 02:24


‏مطر و سلبية بشر .

الطبيعة تحتفي بالمطر ، فالسماء تبرق و السحب تتراكم و ترعد مؤذنة بقدومه ، و الأرض تهتز مع قطراته جذلا به ، و الشجر يورق و تتلألأ أغصانها بحباته ، و البراري تعشوشب ، و الزرع ينتعش شوقا للنمو ، و الطير يغرد تفاؤلا بخيراته و أثره ، و الإنسان يشرئب بعنقه لمرأى هطوله ، متمتمًا بدعواته لله وبما يختلج في صدره من حاجات ، و مستبشرًا بعطاء ربه له ، مترقبًا آثار رحمته - سبحانه و تعالى - على كل المغاني من حوله .

و للبشر مع الأمطار شأن آخر متباين ، فهم يتوحودون بفرحتهم فيه ، و شكرهم لله عليه ، و يختلفون في أسلوب احتفائهم به ، و لكن من المتفق عليه أن أسوأهم طريقةً من تصدّر لمجاري السيل و مهابط الشعبان و الأودية ، فشرع بمطاردة مياه الأمطار هنا و هناك ، فيخرج بقضه و قضيضه ليعبر - بطريقته - عن سعادته بهذه النعمة دون أن يدرك بأنه في طريقته الرعناء هذه يحولها لنقمة عليه وعلى أهله و مجتمعه ، حين يتنزه وينزل في بطون الأودية أو عندما يظن أن تجمع المياه فيها مسبحًا له يزاول هوايته بألوان القفز و السباحة فيها، أو يمازح رفاقه و صحبه على ضفافها ، أو يتحداهم بقدرته على قطع مجراها بسيارته العتيدة ، جاهلا أو متجاهلا مخاطر ما يرتكبه من جرائم بحق نفسه و من حوله ، ضاربًا بتحذير ( الدفاع المدني ) و توجيهاته بهذا الصدد عرض الحائط ، و هو في هذا لا يقيم للأمر أي اهتمام بل و كأنه يتحدى الموت بمغامراته الغير محسوبة غير مدركًا لما يفعله ، ناسيًا قول الله تعالى و نهيه له (( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة )) ١٩٥- البقرة

ينزل الغيث نعمة من الله وفضل لكل الخلق ، و لكن بعض البشر يصر على إثبات أنه أقل ذكاءً من الحيوانات و التي تفر من الأمطار الغزيرة و تحذر منها فتقبع في جحورها ، وهو على النقيض تمامًا منها يواجهها و يتتبع آثارها بالتصوير المبالغ لها معرضًا نفسه لخطر الصواعق أو منازلا لها في أماكن تجمعها عند السدود وفي الأودية ، رغم أن الله كرمه بهذا العقل الذي عطّله للأسف بممارساته الحمقاء المتهورة بما تنطوي عليه من مخاطر و التي لا تُحمد عقباها ، و إذا به يحول هذه النعمة العظيمة لنقمة عليه و على من حوله ، فنجد أن الفرحة والتي ينشدها بهذه النزهة قد انقلبت مصيبةً و كمدا ، وما كانت لولا هذه الممارسات السلبية منه ، و التي قد يفقد معها حياته أو ينزل الضرر بغيره و ما في ذلك من إشغال رجال الإنقاذ عن مهام أخرى هي أعظم و أشد حاجة !

و الإنسان العاقل من يلزم بيته عند هطول الأمطار بغزارة ، فإذا ما تبددت و انقشعت و أشرقت السماء بشمسها الساطعة تجده يخرج مستمتعًا و أحبته بالأجواء الجميلة في البراري و المنتزهات ، و بمناظر مياه الأمطار المتدفقة شلالات أو غدران ، مفسحًا المجال لاحتفاء الأرض به في الأودية و السهول و البساتين و الحقول ، ليصبح متسقًا مع منظومة الطبيعة الخلابة ، لا نشازًا يفسد فرحتها بعطاء ربها .


نورة سليمان الدامغ

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 413


خدمات المحتوى


نورة سليمان الدامغ
نورة سليمان الدامغ

تقييم
10.00/10 (3 صوت)